ابن تيمية

14

المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية

فإن قيل : ففي حديث القلتين : « أنه سئل عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب ؟ فقال : إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث » وفي لفظ : « لم ينجسه شيء » . قيل : حديث القلتين فيه كلام قد بسط في غير هذا الموضع ، وبين أنه من كلام ابن عمر لا من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ( 1 ) . فإذا صح فمنطوقه موافق لغيره ، وهو أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجسه شيء . وأما مفهومه إذا قلنا بدلالة مفهوم العدد فإنما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه مخالف للحكم في المنطوق بوجه من الوجوه لتظهر فائدة التخصيص بالقدر المعين ، ولا يشترط أن يكون الحكم في كل صورة من صور المسكوت عنه مناقضة للحكم في كل صورة من صور المنطوق ، وهذا مفهوم قولهم : المفهوم لا عموم له ، فلا يلزم أن يكون كل ما لم يبلغ القلتين ينجس ؛ بل إذا قيل بالمخالفة في بعض الصور حصل المقصود ؛ والمقدار الكثير لا يغيره ورود ما ورد عليه في العادة ؛ بخلاف القليل فإنه قد يغيره ، وذلك إذا سأل عنه فإنه لا يحمل النجاسة في العادة فلا ينجسه ، وما دونه فقد يحمل وقد لا يحمل ، فإن حملها تنجس وإلا فلا ، وحمل النجاسة هو كونها محمولة فيه . ويحقق ذلك أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر هذا التقدير ابتداء وإنما ذكره في جواب من سأله عن مياه الفلاة التي تردها السباع والدواب . والتخصيص إذا كان له سبب غير اختصاص الحكم لم يبق حجة

--> ( 1 ) هذه نهاية المطبوع في المجموع ، ويبتدي ما لم يطبع من قوله : فإذا صح منطوقه إلى آخر الفتوى ، وهو تكميل لبيان الأحكام التي في صدر هذه الفتوى .